سيد محمد طنطاوي

297

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال صاحب الكشاف عند تفسيره لقوله - تعالى - : * ( وما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِه كافِرُونَ . . . ) * : هذه تسلية لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم مما منى به من قومه من التكذيب والكفر بما جاء به ، والمنافسة بكثرة الأموال والأولاد ، والتكبر بذلك على المؤمنين . . وأنه - سبحانه - لم يرسل قط إلى أهل قرية من نذير ، إلا قالوا له مثل ما قال أهل مكة لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم « 1 » . والمعنى : وما أرسلنا في قرية ، من القرى * ( مِنْ نَذِيرٍ ) * ينذر أهلها بسوء العاقبة إذا ما استمروا على كفرهم وضلالهم . * ( إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها ) * أي : إلا قال أغنياؤها ورؤساؤها وجبابرتها المتسعون في النعم فيها ، لمن جاؤوا لإنذارهم وهدايتهم إلى الحق . * ( إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِه ) * من الدعوة إلى عبادة اللَّه - تعالى - * ( كافِرُونَ ) * بما نحن عليه من شرك وتقليد للآباء مؤمنون . فالآية الكريمة تحكى موقف المترفين في كل أمة ، من الرسل الذين جاؤوا لهدايتهم ، وأن هؤلاء المترفين في كل زمان ومكان ، كانوا أعداء للأنبياء وللمصلحين ، لأن الترف من شأنه أن يفسد الفطرة ، ويبعث على الغرور والتطاول ، ويحول بين الإنسان وبين التمسك بالفضائل والقيم العليا ، ويهدى إلى الانغماس في الرذائل والشهوات الدنيا . ثم يحكى القرآن الكريم أن هؤلاء المترفين لم يكتفوا بإعلان كفرهم ، وتكذيبهم للأنبياء والمصلحين ، بل أضافوا إلى ذلك التبجح والتعالي على المؤمنين . فقال - تعالى - : * ( وقالُوا ) * أي المترفون الذين أبطرتهم النعمة للمؤمنين الفقراء * ( نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وأَوْلاداً ) * منكم - أيها المؤمنون - ، إذ أموالنا أكثر من أموالكم ، وأولادنا أكثر من أولادكم ، ولولا أننا أفضل عند اللَّه منكم ، لما أعطانا . مالا يعطيكم . . . فنحن نعيش حياتنا في أمان واطمئنان * ( وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) * بشيء من العذاب الذي تعدوننا به لا في الدنيا ولا في الآخرة . قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : افتخر المترفون - بكثرة الأموال والأولاد ، واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة اللَّه لهم ، واعتنائه بهم ، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا ، ثم يعذبهم في الآخرة ، وهيهات لهم ذلك . قال - تعالى - : فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ ولا أَوْلادُهُمْ ، إِنَّما يُرِيدُ اللَّه لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، وتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وهُمْ كافِرُونَ « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 585 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 509 .